التخطي إلى المحتوى الرئيسي

"فاشية دينية" ترخص للقضاء على المثليين في العراق

خالد سليمان
بغداد - شرطي بدين داخل حديقة وسط بغداد، يلاحق بعينيه شاباً يبعد عنه أمتاراً قليلة. سألت صديقة سنحت لها فرصة التقاط صورة لذلك الشرطي، عن معرفتها بالمكان وسرّ نظرات رجل "الأمن" العام لذلك الشاب، إذ يبدو على هيئته شيء من اللامعتاد في الملابس والحركات. "إنه شاب مثلي، وقد يختلي به الشرطي في الخفاء ويحتقره في العلن"، قالت لي الصديقة البغدادية، مضيفة بأن المثليين في العاصمة بغداد هم أكثر عرضة للقسوة والقتل.


تشير (ش.غ) وهي شابة عراقية (٢٥ عاماً) مهتمة بحقوق الإنسان وأجرت لقاءات ميدانية مع شباب وفتيات لم تصلهم يد الأحزاب الدينية وفرق القتل، إلى قسوة خفية تمارس ضد المثليين، وإلى انعدام المؤسسات القانونية والإجتماعية والأمنية التي يمكنها أن تحافظ على حياتهم. "فحين يفتي رجل السياسة أو الدين بقتل المثليين في الخفاء، لا تستطيع أي مؤسسة الدفاع عنهم وإنقاذهم من فرق الموت المنتشرة في كل مكان".

هناك قصص كثيرة تثبت كلام الشابة العراقية، كما أن هناك وثائق ورسائل رسمية موقّعة من رجال الدين والسياسة والأمن تدعو لإفناء المثليين و"الإيمو" وغير الملتزمين بقواعد الدين. قبل ثلاث سنوات بعث الشيخ علي الساعدي المسؤول في الحركة الصدرية حينذاك (٢٠١٢) رسالة إلى مقتدى الصدر، يطلب فيها إبداء رأيه حول شباب عراقيين أطلق عليهم إسم «الإيمو»، أي العاطفيين، ويقول الصدر في رسالته الجوابية «هم سفهاء مجانين، وهم آفة في المجتمع المسلم يجب على المختصين إنهاؤهم من ذي بدء تحت طائل القانون». 

إلى جانب تلك الفتوى كان هناك كتاب رسمي من وزارة الداخلية في بداية العام ذاته وهذا نصه: «كشفت مديرية الشرطة المجتمعية التابعة لوزارة الداخلية ان ظاهرة «الإيمو» أو عبدة الشيطان متابَعة من جانبهم، ولديهم موافقات رسمية بالقضاء عليها بأقرب وقت ممكن».

وفي التسعينيات من القرن الماضي، إبان فترة حكم البعث في العراق، أصدر الديكتاتور صدام حسين مرسوماً يعاقب بموجبه "الدعارة والمثلية وزنا المحارم والاغتصاب بعقوبة الإعدام". وكان ذلك في إطار حملة أسماها الديكتاتور العراقي السابق بـ "الحملة الإيمانية" ووثقته منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر عام 2002 عن حالة حقوق الإنسان في العالم. ويروي عراقيون عن تلك الفترة صوراً قاسية بحق من أدين بإحدى التهم الأربع المذكورة في المرسوم. وقد تم تكليف ميليشيا "فدائيي صدام" بإشراف عدي صدام حسين، وكانت تُقطع الرؤوس بالسيف في العلن أمام الناس.

لقد أخذ الحديث عن "الإيمو" وإصدار الفتاوي ضدهم طابعاً علنياً، وساعدت شبكات التواصل الإجتماعي والمواطنون الصحافيين في نشر الوثائق والأخبار المتعلقة بحياتهم وتهديدات إفنائهم، إنما القتل ضد المثليين والتنكيل بهم فيمارسان بأشع الطرق في ظل صمت الدولة ومنظمات المجتمع المدني والمجتمع الدولي ضمناً، باستثناء تقارير منظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش) وبعض قصص صحفية نشرت في الصحف الغربية. وكانت حملة صدام "الإيمانية" تمارس في عراق معزول ومتروك داخل سور صدام حسين. 

 في خبر حديث نشرته مواقع أنترنت في العراق في الاسبوع الأخير من الحملة الإعلامية للإنتخابات التشريعية، أشارت مصادر عسكرية في محافظة الأنبار إلى لجوء قيادات "داعش" إلى استخدام شباب مقطوعين عن بيئات عائلاتهم وذويهم وشباب آخرين يقال إنهم من المثليين.

في هذا الخبر الذي لا يتجاوز العنوان العام بسبب عدم توافر معلومات ووثائق تعطيه المصداقية، شيء كثير يقال في السرّ والعلن، أوله، التقارب العقائدي في ما خص القتل بين الأحزاب الدينية (الشيعية والسنية)، وارتفاع عدد ضحايا التصفية ضد المثليين. لا نعرف تحديداً ما هو العدد الذي أُضيف الى الـ ٦٨٠ قتيلاً عام ٢٠٠٩ وفق تقرير لمنظمة مراقبة حقوق الإنسان، ذاك ان الفترة الزمنية الواقعة بين ٢٠٠٩ و٢٠١٤ هي مأساة عراقية متجددة، و"مستجدة" طويلة جداً، إن جاز التعبير.

وما يمكن تذكره في هذا السياق هو ان "القاعدة" والمنظمات الرديفة لها لجأت في العراق إلى استخدام المرضى العقليين والأطفال والمقطوعين عن بيئاتهم الإجتماعية والمثليين، في التفجيرات اليومية، على اعتبار أنهم خارج دائرة الحق في الحياة.

تستوجب مأساة المثليين في العراق وقفة على المستوى الدولي، ذلك أنها تذكّرنا بالتجربة النازية في ألمانيا حين أصبح كتاب «الرخصة للقضاء على الأحياء الذين لا يستحقون الحياة» للكاتب والقانوني كارل بايندنك والطبيب النفسي ألفريد هوغ، شعاراً لحزب هتلر، ويعرض الكتاب كيفية القيام بتعجيل القتل الرحيم للمصابين بالأمراض المستعصية.

ما يحدث في بغداد يعيد الى الأذهان تلك الصورة التي رسمها ألفريد بلويتز للمجتمع الألماني في بدايات القرن العشرين. فالإقرار بأن هؤلاء الشباب «آفة في المجتمع ويجب إنهاؤهم» أو إعدامهم وفق مرسوم جمهوري أو تفخيخ أجسادهم وتفجيرها، هو مقدمة واضحة لتأسيس فاشية دينية لا يختلف تصورها للإنسان عما جاء ذكره في كتاب "الرخصة للقضاء على الأحياء الذين لا يستحقون الحياة".
نشرت هذه المادة في موقع (ناو لبنان) بتاريخ ١٩/٥/٢٠١٤

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أزمة المياه تهدّد الشرق الأوسط.. والعراق على الخط الأحمر

خالد سليمان  يشير مدير المعهد العلمي للبيئة في جامعة جنيف مارتن بينيستون إلى ذوبان شبه كلي لثلوج جبال الألب نهاية القرن الحالي، حيث لا يبقى سوى القليل منه في الأعالي. يعود سبب ذوبان هذه الثلوج التي تغذي أنهار (راين، دانوب، بو، رون) ويعتمدها ١٦٠ مليون نسمة في غالبية أنحاء أوروبا للزراعة والنقل والطاقة والغذاء، إلى التغيير المناخي وارتفاع درجات حرارة الأرض، ناهيك عن الازدياد السكاني حيث تشير الإحصائيات المتوقعة إلى وصول نسبة سكان المعمورة إلى ١٠ ملايين نهاية هذا القرن.  كانت هذه الصورة بداية لمؤتمر دولي بعنوان “السلام الأزرق” حول دور المياه في السلام والتنمية المستدامة في الشرق الأوسط نظمه Stratigic Foresight Group وجامعة جنيف بالتعاون مع وكالة سويسرا للتنمة والتعاون الاسبوع الثاني من شهر أكتوبر ٢٠١٥. 

مەرگی زانستە مرۆییەکان

خالید سلێمان   لەناوەڕاستی هەشتاکانی سەدەی ڕابوردوودا توێژەرو بیرمەندی بەریتانی ستیڤن ڕۆز و چەند توێژەرو بیرمەندێکی کەنەدی و ئەمریکی کتێبێکیان بەناونیشانی (زیندەناسی و ئایدیۆلۆژیاو سروشتی مرۆڤایەتی) بڵاوکردەوەو لە کاتی خۆیدا دیبەیتێکی فراوانی لە نێوان دەستەبژێری سیاسی و ئەکادیمی و زانستی ئەوروپاو ئەمریکادا دروست کرد. هۆکاری ئەو دیبەیتەش ئەوەبوو کە نووسەرانی کتێبەکە لەگەڵ ئەوەی وڵامی ئەو ڕەوتە زانستیەیان دایەوە کە پێیان وابوو مەسەلەی ژیریی لای مرۆڤ پەیوەستە بە پێکهاتەی جینەوە، بەڵام لەگەڵ ئەوەشدا ڕەخنەیەکی ڕاستەوخۆ بوو دژی سیاسەتی سەرۆکی ئەمریکا رۆناڵد ڕیگن و سەرۆک وەزیرانی بەریتانیا مارگرێت تاتشەر، چونکە لە سیاساتی گشتیدا پاڵپشتی ئەو ڕەوتە زانسیتیەیان دەکرد کە جیاوازیە کۆمەڵایەتیەکان دەگەڕێنێتەوە بۆ جیاوازی لە پێکهاتەی "جینی" و هۆکارە ئابووری و سیاسی و ئایدیۆلۆژیەکانیان پشت گوێ دەخست.   ساڵی ١٩٥٩ زانای فیزیاو ڕۆماننووسی بەریتانی چارلز پێرسی سنۆ لە وانەیەکدا لە زانکۆی (کامبرێدج)، هێڕشێکی توند دەکاتە سەر زانستە مرۆییەکان و بەشێوەیەک وەسفیان دەکات کە هیچ پێشکەش مرۆڤایەتی ناکەن...

التاريخ المُهمّش للتغيّر المناخي: الاستعمار أولاً ثم الثورة الصناعيّة

خالد سليمان   لو تكّلمت السلاحف النهرية العملاقة في حوض نهر الأمازون عن سرقة بيوضها، لو نطقت النباتات في جزر الكاريبي وعبرت عن تعرضها للإبادة البيئية، ولو غنّى طيرا البطريق الكبير في الشمال الأطلسي والدودو في جزر المحيط الهندي وتحدثا عن حكايات انقراضهما على يد الأوروبيين، لحصلنا على رواية مختلفة عما نقرأه اليوم عن الغزو الأوروبي للعالم نهاية القرن الخامس عشر وبداية السادس عشر. رواية عنوانها “الاستعمار”، تكشف تاريخاً عما يتداول عن بداية التغيّر المناخيّ وتدمير البيئة.